مسيحيو المشرق، إفطارٌ على مائدة الحق في زمن الصوم – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

مسيحيو المشرق، إفطارٌ على مائدة الحق في زمن الصوم

كنيسة

إذا كان إحياء ذكرى صلب السيد المسيح في الجمعة العظيمة والإحتفال بعيد الفصح، قد تزامنا هذه السنة لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويمين الشرقي والغربي، فلأن هذا التزامن يحصل مرَّة كل أربع سنوات، وهو غير ذات أهمية أمام المعاني السامية التي تحملها الذكرى الأليمة وأحد القيامة، وأمام “الجلجلة” التي يسلكها مسيحيو المشرق منذ نحو ست سنوات مع سائر أتباع الديانات السماوية، الذين يدفعون أثمان أعنف حرب تكفيرية عرفها التاريخ بقديمه وحديثه، ولا يجب أن يبقى “سرُّ الإعتراف” بالواقع الحالي سرِّياً، بل على المسيحيين بمختلف أطيافهم المُجاهرة بمكنونات القلق أسوةً بأخوتهم المسلمين، لأن “جلجلة العذابات” باتت مشتركة، والقلق على المصير واحدٌ، ومستلزمات الصمود دفاعاً عن الوجود باتت واجبة ، ولا شك أن الندوة التي عُقدت يومي 22 و 23 فبراير الماضي حول “دور الأزهر والفاتيكان في مواجهة ظواهر التعصب والتطرف والعنف” ، إضافة الى المؤتمر الجامع لشخصيات دينية ومدنية إسلامية ومسيحية في رحاب الأزهر على مدى اليومين الماضيين، قد جاءت ولو متأخرة لتنزيه الأديان السماوية عن كل ما حصل ويحصل في هذا الشرق.

ليس المسيحيون مستهدفون من التكفيريين لأنهم “كُفَّار”، ولا لأنهم أقليات في هذا الشرق كالإيزيديين والشبك والتركمان وسواهم، بل لأنهم مع السُنَّة والشيعة ومع كل الأقليات العرقية والدينية، ضحايا ثقافة جاهلية بربرية تكفيرية، أدواتها أفرادٌ من كل أصقاع الأرض، ومن كل المجتمعات المتفلِّتة المتنكِّرِة للقيم السماوية والإنسانية، ولا حاجة لتكرار من أنشأ مدارس التكفير منذ محمد بن عبد الوهاب مروراً بحسن البنَّا وسيد قطب وصولاً الى فكر القاعدة وطالبان وداعش وأخواتها، ولا حاجة أيضاً لتحديد الدول الغربية والشرق أوسطية، التي تُحرِّض وتُموِّل وتُدرِّب، وتلك التي تُمرِّر شياطين الإرهاب بِعُدَّتهم وعتادهم الى كل بقعة آمنة من هذا الشرق.

مئات الآلاف ربما قاربوا بضعة ملايين، هاجروا من الشرق أو هُجِّروا منه خلال نكبة ما يُسمَّى “الربيع العربي”، وهُم بغالبيتهم من العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر، وبصرف النظر عن مصائرهم في الأوطان الأوروبية أو الأميركية التي لجأوا إليها، يعيشون في ظلّ أنظمة مدنية تكفل العيش للجميع وفق الأنظمة والقوانين المُعتمدة في بلد اللجوء، لكن المُلفِت أن المُهاجرين العرب واللبنانيين، الذين قصدوا أميركا اللاتينية منذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم في الألفية الثالثة، تُطلق عليهم وما زالت تسمية “تيركو” أي أتراك، بما يعني أن جنسياتهم ذابت فور وصولهم، ويُعاملون شاؤوا أم أبوا وكأنهم درجة ثانية وثالثة بانتظار الظَفَر بجنسية البلد المُضيف، خاصة بعد أن بات جماعة “التيركو” يشكِّلون فوبيا الإرهاب القادم من الشرق.

كثيرون من المُهاجرين راقتهم الأنظمة العلمانية، وحريَّة ممارسة الشعائر الدينية مكفولة للجميع، وسط مجتمعات غربية يعيش فيها المؤمن إيمانه والمُلحد إلحاده، ومشكلة الإنسجام ليست معضلة بالنسبة لمن لديهم الإستعداد للعيش تحت راية أنظمة علمانية، لكن الخيبة كبيرة هي عند المسيحيين المشرقيين الذين هاجروا الى بلدانٍ هي أصلاً مسيحية ووجدوا أنفسهم كما سواهم ليسوا فقط من مواطني الدرجتين الثانية والثالثة، بل أن التنشئة الإيمانية المسيحية والتربية العائلية التقليدية لديهم، تذوبان في مجتمعاتٍ تُبالغ في التحرُّر من القيود، الى حدود تتعارض مع آداب التنشئة في الوطن الأم، إضافة الى قساوة الغربة التي ترتسم على وجوه العائلات التي هاجرت قسراً.

والوَهَم الذي عاشه المسيحيون المشرقيون بالرهان على مجتمع غربي مسيحي، يحتضنهم كمسيحيين، سبق أن بَدَّده ديبلوماسي أميركي سابق كان في زيارة الى لبنان في مطلع الثمانينات عندما التقاه سياسي لبناني مسيحي وسأله معاتباً:

كيف ترضى دولتكم العُظمى بأن يتساقط عشرات القتلى يومياً في التفجيرات المتبادلة بين “الشرقية” و”الغربية” ؟ فأجاب الديبلوماسي الأميركي: “يسقط لدينا يومياً تحت جسر بوسطن نفس العدد من الضحايا نتيجة أعمال النشل والسرقة، فلا تنتظر منا أن تهتزّ لنا شعرة من التفجيرات الحاصلة لديكم” !

وبعد..، هاجر من المسيحيين من هاجر، ومعهم آلاف مؤلَّفة من المسلمين وسواهم، ولأن مسؤولية الوجود المسيحي المشرقي تقع على عاتق من صمدوا في أوطانهم، ونتيجة تجارب دامت ست سنوات منذ بداية “ربيع العرب”، فإن المسيحيين مدعوون في زمن الصوم، الى الإفطار على مأدبة الحق، والإعتراف العلني أمام الله وأمام ذواتهم، أن الصليب الذي ارتسم على جباههم يوم “إثنين الرماد” في أول أيام صومهم على وقع عبارة: “أذكُر يا إنسان أنك تراب والى التراب تعود”، يجب أن يذكِّرهم دوماً أنه تراب أرضهم، وأنه ارتوى بدماء شهداء مسلمين أطهار ليبقى المسيحيون في أوطانهم، وأن كنائسهم وأديرتهم ومراكز إرساليتهم سواء في سوريا أو العراق التي تعرَّضت كما المساجد والأضرحة لعبث الشياطين، قد أُعِيدت بدماء وعرق أخوة مسلمين، ولعل معلولا الآرامية السورية وموطىء السيد المسيح، تحكي أجراسها التي رفعتها وقَرَعتها إحتفالاً سواعد هؤلاء الشرفاء، ستُعلن الى الأبد “معمودية الشهادة في الحق” ليبقى هذا الشرق أرض الديانات والقِيَم الإنسانية الجامعة…

المصدر: خاص