خفض أسعار السلع ليس مستحیلاً. لكن كيف؟ – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

خفض أسعار السلع ليس مستحیلاً. لكن كيف؟

خفض أسعار السلع ليس مستحیلاً. لكن كيف؟
الدكتور علي النمر*

انطلقت شرارة الإحتجاجات الشّعبية في 17 تشرين الأول 2019، نتيجة الوضع الإقتصادي المُتأزّم. لکنَّ تفاقم وتيرة الأزمة، أثَّر علی الحياة المعيشية للمواطن، وذلك بخفض القدرة الشرائية للرواتب(بالليرة اللبنانية)، بحدود إرتفاع أسعار السلع الإستهلاكية خلال ثلاثة أشهر بمعدل 40٪، وهو معدل إرتفاع غير مسبوق في مدةٍ كهذه، وجاء نتيجة لإرتفاع سعر صرف الدولار، إلى ما يقارب 2500 ليرة، وما رافقه من تجاوزاتٍ إضافيةٍ أيضاً. السؤال المطروح: ما هي العوامل التي ساهمت في إرتفاع أسعار السلع؟ وما هي الإجراءات التي تتكفل بخفضها؟

أنّ أهم العوامل التي ساهمت في إرتفاع أسعار السلع خلال الأزمة هي:

– إحتكار التٌجّار لبعض السلع، فضلاً عن التلاعب في أسعارها.

– عدم وجود رقابة كافية على ضبط الأسعار.

– الإجراءات التي فرضها مصرف لبنان بحجة نقص السيولة في المصارف، التي تمثلت في إحتجاز أموال المودعين، وتطبيق قيود على السحوبات، بالإضافة إلى وقف الإعتمادات والتسهيلات للقطاع الخاص، التي أدت إلى عدم قدرة التجار على تأمين الدولار من المصارف لإستيراد السلع، مما دفع التجار إلى شراء الدولار من الصرافين.

– إرتفاع سعر صرف الدولار غير الرسمي.

إنّ مصرف لبنان أقرّ بوجود سعرين لصرف الدولار: السعر الرسمي 1515، والذي يغطي السلع الأساسية، مثل القمح والأدوية والمحروقات. والسعر الآخر عند الصرافين والذي یتأرجح صعوداً وهبوطاً. وتجدر الإشارة إلى أنّ الإعلان الأخير لنقابة الصيارفة(بالتوافق مع مصرف لبنان والمصارف) حول قرار تحديد سعر صرف الدولار عند 2000 ليرة، يعتبر توجهاً شبه رسمي لتثبيت سعر صرف الدولار على سعر جديد، ربما عند حدود ألفي ليرة أو أكثر، مما يعني أنّ كلفة إستيراد السلع ستبقى مرتفعة. لذلك لا بد من العمل على تخفيض كلفة إستيراد السلع وخفض أسعارها، ويكون ذلك من خلال تطبيق إجراءات إستثنائية. لعل أبرزها:

أولاً: دعم سعر صرف الدولار لعملية إستيراد السلع غير المتوفرة محلياً، وذلك عن طريق تأمين الإعتمادات اللازمة للإستيراد.

1- استمرار دعم سعر صرف الدولار الرسمي، كما هو حالياً عن ال 1515 لإستیراد السلع الأساسية، كالقمح والأدوية والمحروقات، على أن يشمل هذا الدعم أيضاً المواد الأولية للصناعة والزراعة.

2- دعم سعر الدولار(1550_1600 على سبيل المثال) لإستیراد المواد الغذائية الأساسية، والمستلزمات الطبية.

3- دعم سعر الدولار(1600-1650 مثلاً)، لإستيراد السلع الإستهلاكية الأساسية.

 أنّ دعم سعر الدولار لعملية إستيراد السلع غير المتوفرة محلياً، لا يقتصر دوره على إنخفاض الأسعار، بل يساهم في حماية وتصريف الإنتاج المحلي، وضبط وتنظيم عملية الإستيراد، والحد من الطلب على شراء الدولار من الصرافين، الذي بدوره يؤدي إلى خفض سعر صرفه.

ثانياً: مراقبة وضبط سعر صرف الدولار غير الرسمي في سوق الصيرفة، وفقاً لآلية السوق (العرض والطلب)، وإعطاء أولوية لتخفيض سعره. وفي ظل الازمة الحالية، بات سعر صرف الدولار له أثر كبير على أسعار السلع المستوردة (نتيجة شراء الدولار من الصرافين)، وذلك لوجود علاقة طردية بينهما، بمعنى أنّ أي الإنخفاض في سعر صرف الدولار غير الرسمي، سيؤدي إلى الإنخفاض في أسعار السلع المستوردة.

ثالثاً: إستيراد السلع الأساسية والمواد الأولية عبر مؤسسات الدولة من دون وسيط.مثل المواد الغذائية، الأدوية، المحروقات، الاسمنت، وغيرها…. وهذا يؤدي إلى إلغاء كل أشكال الإحتكار للإستيراد.

رابعاً: تفعيل دور الرقابة بشكل فعال لمراقبة وضبط الأسعار، إضافة إلى وقف إحتكار وجشع التجار.

خامساً: تطبيق إجراءات مصرفية جديدة تقضي بتحرير جزء كبير من ودائع التجار من أجل إستيراد السلع.

سادساً: تسعير جميع السلع بالليرة اللبنانية، وفرض عمليات الشراء والبيع داخلياً حصراً بالليرة اللبنانية، وفقاً لقانون النقد والتسليف الرقم 13513/1963، لا سيما المادة الأولى التي نصت على أنّ الوحدة النقدية هي الليرة اللبنانية. أنّ عملية التسعير هذه، تؤدي إلى الحد من الطلب على شراء الدولار، وتخفيض نسبة الإقتصاد “المدولر” التي تبلغ حالياً 75%.

سابعاً: تخفيض أو إلغاء الرسوم على إستيراد السلع  الأساسية غير المتوفرة محلياً.

بناء على ما تقدم، إنّ هذه الإجراءات تؤدي إلى خفض أسعار السلع، بالإضافة إلى إنخفاض الطلب على شراء الدولار، الذي ينعكس إنخفاضاً في سعر صرف الدولار غير الرسمي. فإنّ الأولوية الأولى للحكومة الجديدة هي الإسراع في إتخاذ مثل هذه الإجراءات أو غيرها لخفض أسعار السلع وسعر صرف الدولار غير الرسمي. لأنّ هذه الإجراءات تٌشكل وقعاً إيجابياً لدى المواطنين تمهيداً لإعادة الثقة نوعاً ما. هذا لا يتطلب قروضاً خارجية، بل يحتاج إلى إرادةٍ جديةٍ في التطبيق. بالإضافة إلی ما سبق، يجب على الحكومة الجديدة وضع رؤيةٍ إقتصاديةٍ وماليةٍ ونقديةٍ متكاملةٍ للخروج من الأزمة.

 * كاتب لبناني متخصص في الإدارة المالية

المصدر: موقع المنار